موسوعة المبدع القانونية

الجهاز الحوفي وسيادة الذات العليا: سيكولوجية الاتزان بين الشعور والقرار.

نوف الغامدي توعوي 06/06/2026 قراءة 1 د

الجهاز الحوفي وسيادة الذات العليا: سيكولوجية الاتزان بين الشعور والقرار. في البنية الخفية للنفس البشرية؛ عالم متشابك من التراكيب النفسية […]

الكاتب نوف الغامدي
القسم توعوي
تاريخ النشر 06/06/2026
مدة القراءة قراءة 1 د

الجهاز الحوفي وسيادة الذات العليا: سيكولوجية الاتزان بين الشعور والقرار.

في البنية الخفية للنفس البشرية؛ عالم متشابك من التراكيب النفسية والعصبية؛ منها ما خلق للبصيرة والتعقل، ومنها ما أُودع فينا ليؤدي دور جهاز الإنذار والحماية الغريزية، كتلك الأم التي تهبُّ قلقةً مذعورة لتحمي صغارها قبل أن تدرك حجم الخطر أو تمحص تفاصيله بتروٍّ وعقلٍ متأنٍّ.

وهناك تتشكل الاستجابة الأولى للمشاعر، فيما يعرف بالجهاز الحوفي؛ ذلك الجزء العميق من الدماغ الذي يستجيب بردة فعل سريعة للعاطفة؛ يخاف، يقلق، يندفع، ويستنفر الحواس، ويطلق إشارات التأهب، بهدف الحماية بردود فعل فورية لا تمر غالبًا بمراحل فلترة الانفعال، كالتروي والتمحيص، وقراءة العواقب.

وفورة هذه المشاعر اللحظية لا تستدعي دائمًا الأخذ بها على محمل الجدية، بل لعل الحكمة المظنة تقتضي احتواءها أولًا، وتأجيل الاستجابة الفورية حتى تهدأ الضوضاء بالداخل، ويتسع مجال الرؤية، فتكال الأمور بمكيال الحكمة، وتوزن بميزان التروي لا العجلة.

وهنا يأتي دور سيادة الذات العليا؛ تلك الذات الواعية المتأنية التي لا تخمد وطأة الشعور بالمنع أو القمع، بل تحسن إدارته، وتبطئ من اندفاعه، وتميز بين الفعل وردة الفعل، وبين ما تشعر به وما ينبغي أن تفعله.

ولهذا، ليست كل المشاعر الأولى جديرة بالمواجهة؛ فبعضها حريٌ به أن يفرغ بالكتابة، أو التأمل، أو أن يترك قليلًا حتى يهدأ، ولعل من أهم ما يعين على تهذيبه؛ الانصراف إلى الوضوء أو الحركة، أو تغيير الموضع، أو قطع حبال الاسترسال على الفكرة قبل أن تستفحل فتدمي وتؤذي.

ويأتي الهدي النبوي العظيم مختصرًا هذه الحكمة كلها في وصية بالغة العمق حين قال عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم لا تغضب ؛ فـ لا الناهية هنا لم تأت نفيًا للشعور، بل تهذيبًا لأثره، وضبطًا لمساره، حفاظًا على ديمومة الود وصفاء العلاقة.

فالعاطفة حين تترك بلا إدارة واعية قد تربك النفس، وقد تقطع صلتها بالآخرين، وحين تدار بالحكمة تتحول إلى بصيرة، ورحمة، ومسكن داخلي فعال يعالج إضطراب الشعور والانفعال.

فالإنسان الناضج لا ينكر ما أودعه الله فيه من تراكيب شعورية وانفعالية، بل يزكيها ويرتقي بها من ردة فعل قد تهوي به سنينًا في هوةٍ من الندم، إلى وعيٍ بصير ينتشله من فوضى الانفعال بعيدًا عن الألم.

وتلك هي سيكولوجية الاتزان، وإحدى أسمى سمات الذات العليا.

نوف الغامدي

رئيسة لجنة الثقافة القانونية

روابط مرتبطة

تابع القراءة أو انتقل إلى المسارات الأخرى

يمكنك العودة إلى صفحة المقالات، أو متابعة الاستفسارات، أو الوصول إلى صفحة طلب الاستشارة ضمن نفس هوية الموقع.

Scroll to Top