
بلَغني أيها الصديقُ العزيز أنكَ مررتَ بنائبة، لا تقلق فإني معك أقفُ حتى تنجليَ أحزانُك.
انتابني حزنٌ شديد حين علمتُ أنها قديمة، وليست بحادثةٍ غضّةٍ خضراء. لا تستغرب تسميتي وتلويني لها، فهي حقيقة، فعلًا إنّ الأحزانَ بألوانها، فنقول للحزن الجديد أخضر وللحزن القديم كالذي أنت فيهِ الآن قرمزيٌ داكن.
لأنه يشبه الدمَ المؤكسَد، هل سبق ورأيت خثرةً مؤكسَدة؟ لابد وأن حزنكَ تخثّر منذ زمن، وحسبته قد مضى وها هو الآن يتجلطُ في حاضرك.
أخبرني، هل تشعرُ بها؟ تلك الخثرة، هل تؤلمك يا صديقي؟ هل تمنعك من التنفس بعمق؟
لا تقلق يا عزيزي، بل عليك أن تشكرَ الله أنه لم يكن حزنًا أسودًا، إنها النهاية إن كان اللونُ أسودًا. كالذي رأيته في صديقنا القديم، أتذكره؟
كان حزنه أخضرًا فتحول إلى قرمزي ثم إلى الأسود. أظنه لم يفطن لذاك التحول الثاني، فكبرت خثرتُه وازدادت قتامةً حتى صارت سوداء، فلم يستطع التنفس، وفارقه الشفاءُ إلى الأبد.
لكن، لا يهم، لم يُخلَقِ الشفاءُ للكل، إنها أقدارٌ وجب علينا قبولها، أمّا أنت يا صديقي فلا تقلق ولا تغرق في حزنك.
نعم، ثمةُ أحزانٌ خبيثة تستردُ عافيتها لتعاودَ الكرّة وتنقضّ علينا، لكن لا تجزع. قد أكون هنا للمساعدة، لأصحبكَ نحو التجاوز. وقد يكون أنني الوحيد الذي عرفتُ كيف تتجاوز تلك العائدة من رمادها. أتعرف كيف؟
سأخبرك:
تصنّعِ التجاوز يا عزيزي، نعم تصنّعه حتى تصدّقه. ارتدِ قناعًا يخبّئ تلك الخثرة القرمزية عن عيون المارة، قناعًا تصوغُه بيدك ليحملَ ملامح النجاة والسكينة. تصنّعِ الابتسامة حتى تتذكر عضلاتُ وجهك كيف تنبض بالحياة، وتصنّعِ التنفس العميق حتى يُجبِر الهواء تلك الخثرة على التفتت والتلاشي.
إن التصنّع يا صديقي ليس كذبًا على الذات، إطلاقًا، هو تمرينٌ شاق للروح، ومحاولة، نعم مجرد محاولة، ولكن من يدري.
الحل هو أن توهم تلك الخثرة بأن جسدك لم يعد صالحًا لنموها، وأن صدرك أرحب من أن يضيق بها.
تجاهل نداءها، ولا تمنحها دفء الاستسلام، ومع توالي الأيام، سيلتحم ذلك القناع بملامحك ويصبح هو وجهك الحقيقي. حينها، ستذوب الخثرة في تيار الحياة، وتنجو متجاوزًا إياها قبل أن يدركك السواد.
وإن لم تستطع فعل ذلك، فلا تقلق يا صديقي،
إنها مجردُ ألوان.