
معاني الرحمة
الرحمة هي المحبة {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} أي محبة ربك. ونرى ذلك لأن الله تعالى لا يرحم رحمةً خاصة إلا من سبقت به عناية ومحبة خاصة {يختص برحمته من يشاء}.
والرحمة هي القرآن {هدى ورحمة للمؤمنين}
والرحمة هي المطر {فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها}
والرحمة في العصمة من الزيغ، وعند الوقوع في الزيغ؛ الرحمة الإلهية تأتي لتخرج الإنسان من ظلمة الشبهة والشهوة إلى نور الحق المبين {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة} سألوا الله تعالى اثنان: سألوه الثبات على ما منّ عليهم به من هداية، ثم سألوه رحمة من لدنه خاصة إذا وقعوا في الزيغ ولو لثانية تنجيهم من محل الغفلة وتردهم إلى التبصرة والذكرى {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} وهذه العصمة هي رحمة لا تكون إلا لعباده المخلصين الذين كانوا معه في الرخاء طائعين مجتنبين النهي؛ فإذا وقعت شدة الفتنة والشهوة والشبهة عصمهم منها بما قدموه من أعمال وبر ومجاهدة للنفس في الرخاء {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} أي كان من عبادنا المخلصين؛ فبها رُحم وبالرحمة عُصِم {وقهم السيئات ومن تقِ السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم} {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين}. وفي الدعاء: اللهم ارحمني بترك المعاصي ما أبقيتني أبدًا. فلما علم أن الصرف عن المعصية لا ينال بقوة ولا ذكاء ولا فطنة ورياسة وإنما برحمة؛ سألها الله تعالى.
وقفات مع الدعاء النبوي:
“اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي ، وتجمع بها أمري ، وتلم بها شعثي ، وتصلح بها غائبي ، وترفع بها شاهدي ، وتزكي بها عملي ، وتلهمني بها رشدي ، وترد بها ألفتي ، وتعصمني بها من كل سوء ،” (حديث حسن)
ومن الرحمة أن يجمع الله ما شعث من أمرك وتفرّق وضاع وفات وهو القادر على ذلك، وأن يقضي على شتات نفسك ويهديك لأقوم السبيل الواحد الذي ترتاح فيه فيغنيك به عن كثرةِ السُبل وأنواع المشارب والمطاعم؛ فتغنى به روحك وتفنى فيه نفسك وتتفانى فيه أبد عمرك وتقر به عينك ويثلج به صدرك ويلتئم جرحك وتتوحد نفسك ويجمع لك به سعادات الدنيا والآخرة.
ورحمة ينجيك بها من كل فتنة فيما يُفتن بها الناس، والعلم الشرعي رحمة لأنه قد لا ينجو العبّاد من الفتن ولكن العلماء ينجون من الفتن بإذن الله.
ورحمة من الله يوصلك بها إلى التزكية {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدًا ولكن الله يزكي من يشاء} توصلك إلى كمال التقوى والإحسان وأعلى مراتب الإيمان.
ترفع بها شاهدي: أي رحمة تزكو بها أعمال الظاهر والجوارح.
وتصلح بها غائبي: يصلح بهذه الرحمة باطنك من دقائق الخطرات ويطرد بها وساوس الشيطان وتثبيطه وتحزينه {ويُذهب عنكم رجز الشيطان}، وتجبر بها كسور النفس، وأهطل المطر يوم بدر رحمةً بهم ليذهب عنهم تخويف الشيطان ووساوسه، لتنشرح صدورهم ويكونون أقوى بهذه الرحمة على النصر والمقاتلة.
وترد بها أُلفتي: تُرجع لي ما ألفته من خير وما اعتدت عليه من صحة وأمان وسلام وكل ما أحبته نفسي فذهب عني.
ومن رحم المعاناة رحمات مُنزلات فالمصائب أيضًا رحمات من الله وبركات، وهو كلام معلوم، وخبره معروف.
شروق المحمادي