
الطُرّة: لا دليلٌ إلا عليه علامة.
الآية القرآنية: قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ ١٧ وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:17-18].
القصة: جاء أخوة يوسف -عليه السلام- بقميص ملطخٍ بالدم ليوهموا أباهم أنهم صادقين في مقالتهم، حينما اتفقوا على أن يلقوه -عليه السلام- في غيابة الجب، واوقعوا التهمة على الذئب، ولإثبات الفعل ذبحوا جدياً ولطخوا ذلك القميص “الشاهد”، إذ وأنهم برغم محاولتهم جعل هذا القميص محل “شاهد” للصدق، إلا أنه أظهر “إثبات” الكذب لكونه غير ممزق.
قال القاضِي -رحمه الله-: ولعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في غيابة الجُب أن يفعلوا هذا توكيدا لصدقهم، لأنه يَبعُد أن يفعلوا ذلك طمعاً في نفس القميص ولا بُد في المعصية من أن يُقرن بهذا الخذلان، فلو خرقوه مع لطخه بالدم لكان الإيهام أقوى، فلمّا شاهد القميص صحيحاً علم كذبهم.
الشاهد: أورد العلماء -رحمهم الله- عدة أقوال تدل على إثبات فعلتهم، فمنها:
أولاً: لمّا جاءُوا على قميصه بدمٍ كذب، وما كان متخرقاً، قال يعقوب -عليه السلام-: كذبتم لو أكله الذئب لخَرقَ قميصه.
ثانياً: إنّ يعقوب -عليه السلام- قال: إن هذا الذئب كان رحيماً، فكيف أكل لحمهُ ولم يخرق قميصه؟
وقيل: إنه -عليه السلام- لمّا قال ذلك قال بعضهم: بل قتله اللصوص، فقال -عليه السلام-: كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منه إلى قتله؟
فلمّا اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم.
ومضة: وضع الشئ في موضعه الصحيح، وإعطاء كل ذي حقٍ حقه دون محاباة، لهو لبّ العدل.
فائدة شرعية: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: والمعاونة بالشهادة على العقود المحرمة لا تجوز، بل قد صح عن -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إني لا أشهد على جور) فمن فعل ذلك مصراً عليه قُدح في عدالته.
فائدة قانونية: نصت المادة الحادية والسبعون من نظام الإثبات في المملكة العربية السعودية الفقرة الثانية على الآتي:
لا تقبل شهادة من يدفع بالشهادة عن نفسه ضرراً أو يجلب لها نفعاً، ولا تقبل شهادة الأصل للفرع، وشهادة الفرع للأصل، وشهادة أحد الزوجين للآخر ولو بعد افتراقهما، وشهادة الولي أو الوصي للمشمول بالولاية أو الوصاية.
الهامش:
إنّ الإثبات يعد مهماً في مجال القضاء، لأن بناء الأحكام القضائية راجعة إليه، ولذلك كان ولابد من جعله في رأس الهرم لإظهار العدالة، فقوة الاثبات وضعفه محل نظر، فالحق يلزمه دليل يستند عليه، ليتحول من حقٍ مجرد إلى حقٍ ثابت يحميه القانون.
وشهادة الشهود تندرج ضمناً في الإثبات، فيتم التعامل معها على أحقيتها لكلا الطرفين، قتتحقق في الشهود: الأهلية، والعدالة، وعدم وجود مصلحة، والخلو من موانع القرابة والعداوة؛ فإن تكوّن القضية والفصل في الدعوى تتأثر بهذه الشهادة، فينقلُ ما رآه أو ما سمعه للتوصل به إلى الحقيقة حيث العدالة.
والإنسان بطبعه يميل إلى إيجاد ما يثبت به الحقائق بالأدلة، ولكل علم منحنى في الإثبات.